الخميس، 7 يناير 2021

قراءة في قصيدة الشاعرة زينب الحسيني/ الناقد: د. حسن العمراني- مصر



 " بين الواقع المُعاش والعالم الإفتراضي"

‏قراءة نقدية في قصيدة " أتوق أن أشهد.." ‏
للشاعرة/ زبنب حسيني
‏بقلم/ د. حسن محمد العمراني
‏زينب حسيني شاعرة مثقفة واعية، تمتلك روحأ وثابة؛ فهي لا تتقيد بجنسٍ أدبي محدد، ولا تقتصر موضوعاتها الشعرية علي تيمةٍ بعينها؛ لكنها تصوغ النصوص بروح المغامِر، وتشبعها برؤية الناقد الحصيف. في نصها المنشور علي صفحات مُدوَنة "مجموعة تغريدات نخلة"، التي يترأسها الشاعر والناقد الكبير دكتور وليد جاسم الزبيدي، تطالعنا قصيدتها المتميزة " أتوق أن أشهد..". والناظر للنص بعينٍ ثاقبة يجد أن الشاعرة- في سعيها للحرية والجمال- تحاول أن تتخفف من أقنعة النقد، فترخي الخيط لخيالها الشعري الخصب كي يبحر بنا عبر صور مجازية تحملنا للعالم الموازي للنص. لكنها في ذات الوقت تتعامل مع المَلكة الشعرية بروح المبدع الناقد، كونها صاحبة باع طويل في هذا المجال. وحتي تتكشف الرؤي أمام أعيننا علينا أن نلج إلي النص بذائقة الشاعر الناقد، حتي لا يفقد بكارتة الشعرية من جهة أو تقنياته الفنية من الناحية الأخري. والشاعرة نفسها تحاول الحفاظ علي التوازن بين هذين المنظورين. فاللافت للنظر في نصها الشعري محل التناول أنها تحاول الحفاظ علي ثبات الجسد، حيث العقل محتوي الأفكار ، والمعادل المادي للتفكير،؛ بينما يتجلي المعادل المعنوي عندما تتلبسها روح التمرد، فتأبي أفكارها علي هذا الثبات، وتنطلق روحها الوثابة في رحلة تستدعي فيها عالماً إفتراضياً، له رموزه الخاصة ومعطياته الوجدانية الطازجة، وكأنها تتوسم أن تتكشف أمامها تجليات النص عندما يمنحها إله القمر "ديموزا الخصب" أفق التعبير، ويسرج لها أنواره و"ينفخ في روحها سر الأسرار"، فتسبر أغوار رحلتها الأنثوية وهي تتمرد علي الواقع المُعاش. والملحوظ أن الشاعرة تحاول كسر جدار الحياة الرتيبة، محلقةً خارج سلطة الجسد لتسمو بمخيلتها إلي فضاءات أكثرَ رحابةٍ، عبر "شظايا الجراح" التي تزكِّيها وتصقلها " نيران الهُيام"، حيث البحر مكنون الأسرار ومستودعها. ومن هنا تقرر الشاعرة العدول عن الخطاب الشعري المألوف صوتاً وايقاعاً وتركيباً ودلالةً علي المستويين: الأسلوبي والفني, فنجدها تتعامل مع معطياتٍ لفظيةٍ بسيطةٍ، لكنها عميقة الدلالة، وذلك حتي تستحضر كياناً مغايراً، تشكله حسبما تريد، وتضع له جهات تخالف المعتاد، فتختلق بحاراً وشطٱنا ونوارسَ، تشكل البعد المكاني لرحلتها الزمنية المؤقتة خارج نطاق الجسد، وكأننا نعايشها وهي تراقص " طيور العشق" وتسامر " عنادل الشعر" أو ربات الشعر، كما في الميثولوجيا الإغريقية واليونانية القديمة. إلا أن الشاعرة تنكسر من حين لٱخر، فتصرخ ملءَ شفتيها كي تتجاوز قيود التعبير، وهي تتوق " لفجرٍ جديد"، لكن تمردها فريدٌ من نوعه، فيأتي مغايراً لمحاولة سيزيف خداع إله الموت. فنجدها تسعي للمكاشفة والخلود الروحي دون مواربة مع ذاتها كي لا تبوء ب"لعنة سيزيف" وتظل تحمل بصمة العذاب الأبدي وهو الدوران في فلك الخضوع " لجنسٍ ذليل". والشاعرة- في سعيها الدؤوب لتحقيق كينونتها عبر الصور والأخيلة- تحاول شرخ جدار الواقع، دون أن تحطمه، ولذا تصرخ تائقةً لتجاوز حصار الجسد، وهي تتبني لغةً هامسةً " كهديل الحمام" لمجرد أن " تغرسَ وردةً في جبين الريح". إن هذه المغامرة المحسوبة، التي تنفرد بها شاعرتنا، توحي بالوقوع بين شقَّي الرَّحا، وتحْملنا علي الشعور بأنها تحاول تحقيق التناغم الوقتي بين شطحات العقل ومقتضيات الواقع، وحين يصبح معامل الانكسار شديداً، تقرر أن تتصالح مع ذاتها المتمردة، فترشف جرعة الحرية قطرة ..قطرة، وكأنه مخدر موضعي ما يلبث أن يزول.
النص جميل تحاول فية الشاعره، من خلال وعيها التاريخي والحضاري والثقافي أن تعيد خلق الأشياء من منظورها الخاص، ولهذا جاء النص يحمل نكهةً متفردة ليبعث فينا الدهشة والغرابة والانشراح، حيث تتشابك فيه الصور التشكيلية وتتنامي، عبر دينامية تشكلها الحواس المتراسلة واللغة الشفيفة، التي تفضي لمكنون الموضوع دون افتعال أو تكلف
دام الإبداع شاعرتنا وناقدتنا المتألقة، زينب حسيني.
=========================
• النص
"أتوق أن أشهدْ.. "
-----------------------------
تهجرني نوارس أفكاري..
هائجةً تلوب على عذارى الشطآنِ..
على عرائس مدنٍ تعجُّ بزغاريد الحبِّ..
تنتظر ديموزا الخصبِ
علَّه بمفتاحه السحري..
ينفخ في روحها سرَّ الأسرارْ..
.. كنت ألحُّ أن نبزغَ من شظايا الجراحْ..
ضياءً محموماً بنيران الهيامْ
يسابق هوج الرياحْ..
وأصرخ بملء شفاهي:
اشتقت أن أخلع لعنة سيزيف..
اشتقت أن أغُلَّ في غمائم الهذيانْ..
أراقصُ طيور العشقِ
وأسامرُ عنادل الشعرِ..
أتوق أن أنغرس وردةً في جبين الريحْ.
أن أشهد فجر بزوغٍ جديدٍ
عَقوقٍ بالجهات الأربعْ..
حيث الأثيرُ بلون هديل الحمامْ..
.. نرشف الضوءَ جرعةً ..جرعهْ...
نثمل... وينزاح عن روحينا غمامٌ كثيفْ..
فيه نستحمُّ.. ... نستريحْ...
‏شعر/ زينب حسيني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق