الأربعاء، 15 يونيو 2022

قصة قصيرة بعنوان " الومض" / الكاتبة : ملك حاج عبيد ****


 

هذا هو نصي الأول الذي أرسله إلى مجموعة تغريدات نخلة

قصة قصيرة بعنوان " الومض" :
كنت أقلّب الصحيفة أحاول أن أدفع بها ملل الانتظار في قاعة المسافرين عندما انسابت إلى أنفي تلك الرائحة المميزة ...غرقت في خضرة الشجر وشدو العصافير والضياء والسحر والقمر , رفعت عيني ولكنها تخطتني , أمعنت النظر إنها هي ... القامة الممشوقة المشية الواثقة , الثوب داكن الخضرة الذي يلف جسدها , تبعتها بعيني وهي تمشي في القاعة إلى أن وجدت مقعداً شاغراً فجلست عليه .
بارحتني الطمأنينة فغادرت مقعدي أحوم حولها وأحاذر أن تقع عيناها علي
أتأمل وجهها بسمرته الدافئة والعينين الخضراوين المشعتين فأحس بأسىً شفيف يتمشى في ملامحها .
غارقة في صمتها وبين اللحظة والأخرى ترسل نفثات من نفاذ صبرها المعهود وأكاد أسمع صوتها الغاضب " لا تدعني أنتظر , قلت لك أنا لا أطيق الانتظار ".
تتحدث إلى جارتها مرة تشرد مرة أخرى وأنا أرقبها أتمنى أن أسمع صوتها " أيتها الانسانة الغريبة لقد أحببتك " .
سبعة أعوام منذ افترقنا وهاأنا أراك فتعيدين لي إلي الصبا واللهفة والشوق
أستعيد صوتها :
- صحيح أننا نحب بعضنا ولكن يبدو أن المستقبل لن يكون لنا , ما
نختلف فيه أكثر مما نتفق عليه
- نتقارب
- شيىء ما يبعدني عنك . كنت أظن حبنا مطلقاً ولكن في لحظة أحسست
أن ما بيننا قد انتهى وأنك لم تعد هذا الانسان المميز ولكنك رجل كباقي
الرجال .
أيتها المجنونة وهذا الرجل الذي تزوجته هل هو استثناء من بين الرجال ؟
نسمع إعلان التوجه إلى البوابة فتدب الحركة في الصالة , الكل يسرع أما
هي فتسير متباطئة وكأن ما يجري لا يهمها , تتقدمني أكاد أحاذيها لكنني أتأخر فيفصل بيننا بعض المسافرين , ندخل الطائرة ,تقدم بطاقتها للمضيفة فترشدها إلى مكانها , جلست في مقعدها إلى جانب الممر وإلى جانبها رجل تمنيت لو كنت مكانه , تلكأت وأنا أمر بجانبها ولكن لم ترفع عينيها إلي , كان مقعدي على الجانب المقابل يتأخر صفين عن مقعدها , فرحت لأنني أستطيع أن أراها ترى ما الذي تفعله في باريس ؟ ولماذا لم يرافقها زوجها ؟ أتأمل بروفيلها فأذكر أنني بعد أن توثقت معرفتنا قلت لها :
- إن أول ما لفت نظري إليك هو بروفيل وجهك الجميل
- ثم صدمت عندما رأيت وجهي كاملاً ؟
- كانت أجمل صدمة
تنطلق ضحكتها صافية :
- وأنا أول ما أحببته فيك حديثك الجذاب
- وعندما تعرفت إلي أصبت بالخيبة
أجابت بين الجد والهزل:
- هناك بعض الصحة فيما تقول
ونمضي في علاقتنا عصفورين صغيرين يحلمان بالارتباط ... سنتان من الحب ثم كان قرارها بالانفصال انسحبت من حياتها متمسكاً بكرامتي ولكن لأعترف بأن جرحي كان مؤلماً .
تخرجت من الجامعة وسافرت وأحببت وتزوجت وأصبحت أباً , يرف علي وجها رنا وسامر فأحس بأنني قد اشتقت إليهما كثيراً .
تحط الطائرة بالمطار ,تسبقني بالخروج أتقصد أن أتأخر عنها ,نخرج إلى ليل عذب النسيم ,نقطع المسافة إلى الصالة وعيناي لا تفارقانها , تسبقني إلى شباك موظف الجوازات بيني وبينها خمسة مسافرين يتأخر الموظف في حل مشكلة جواز المسافر الذي يتقدمني ,عندما خرجت إلى قاعة استلام الحقائب كانت قد غادرت فشعرت بالندم , لمَ لم أتحدث معها أنا لم أتقصد لقاءها , المصادفة هي التي جمعتني بها , لو تبادلت المكان مع جارها , لمَ كنت سلبياً ؟ ما الضير في أن أتحدث معها ؟ لمَ كنت جباناً لمَ أضعت الفرصة ؟ ولكن لمَ ماذا أريد منها ؟
أصل إلى البيت يستقبلني الصغيران بعناقهما , أقبّل زوجتي ساهماً تسألني عما بي أدعي الصداع فتقول لي :
- أنت بحاجة إلى فنجان من القهوة
الصغيران منصرفان عني إلى فتح الهدايا , زوجتي مشغولة بالمطبخ وأنا أصارع فكرة تلح علي لماذا لم أكلمها ؟ لو أنني حادثتها لو نظرت في عينيها لو سألتها هل أنت سعيدة مع زوجك ؟ وهل رأيت أنه مختلف عن باقي الرجال ؟ رغبة جامحة تدفعني للحديث معها لسماع صوتها .
أتسلل إلى الهاتف , أسأل الاستعلامات عن رقم زوجها ... أضرب الرقم يأتيني صوت طفلة , أسألها بصوت مرتعش :
- هل جاءت ماما من السفر ؟
- نعم وصلت من حوالي ساعة , من الذي يتحدث ؟
- أعطني إياها من فضلك
أسمع صوتها ينادي :
- ماما هناك شخص يريد أن يتحدث معك
- ......
- لم يقل اسمه
من الطرف الأخر يصل إلي صوت رجولي نزق :
- من المتكلم ؟
تعالت اللهجة غاضية متوعدة , ومن المطبخ تناهى إلي وقع أقدام زوجتي وصوتها يسأل :
- مع من تتحدث في هذا الوقت المتأخر ؟
وضعت السماعة بهدوء وفي قلبي انطفأ هذا الومض الذي أضاء لي الذكريات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق