الخميس، 16 يونيو 2022

*نصف الكوب الفارغ* _ جدلية المنشود والموجود من وراء نظارات خفيفة شفافة:./ الأديبة : حبيبة المحرزي - تونس*****

 *نصف الكوب الفارغ*

_
جدلية المنشود والموجود من وراء نظارات خفيفة شفافة:.
قصة قصيرة التزم فيها السارد بكل مقومات القصة القصيرة من حيث محدودية الزمكان ووحدة الحدث والتصعيد التازمي والخاتمة الصدمة .. قصة كتبت بأسلوب خبري أفعاله منقضية ثابتة أو منقية أو غير منقضية مستمرة استمرار الحدث في الزمان الحاضر ،منذ "قررت" وهو الحدث الفادح الذي عنه ستتداعى كل الأفعال والاحوال والأحداث..خاصة وأن التغيير سلوكي تواصلي سلمي منشود. وهو التوقف عن التذمر كقرار فردي بعده ستتجمل الأحداث والسلوكات والظروف..
تحديد زمن زيارة الطبيب السابق لأوانه يدخل ضمن القرارات السلوكية الفعلية والتي بدأت بالثورة على الموروث السلبي المؤذي "شاكيا تلك السميكة" وهو قرأر حتمي بمفعول ترتيبي سيكون الحجر الأساس لبداية التغيير ونهايته أيضا .
"الان" اسم زمان يحدد واقعية الحدث مع سبق الاصرار والترصد "علي أن أغير زاوية رؤيتي ."هذا الإلزام للتكيف مع التغيير الذي حفر في ذاكرة الطفولة "يا صباح الخير ..."
التأكيد على دور الزجاج كمنطلق للتغيير تمهيدا بخاتمة صدمة سيتفهمها المتلقي عند اكتشاف الخاتمة فيعود إلى قراءة ثانية يبحث عن الأصل في التغيير والذي سيتبعه بقص خطي منتظم في الزمان والمكان " اتناول الإفطار "شكولاطة وياسمين.."طبعت قبلة ...حلم كسمفونية ..نساء الحارة مفرطات في الزينة...الرجال يتصافحون ...الابتسامة متشابهادة...أحدهم يلوح...كجناحي حمامة ...نسمة رقيقة...بائعة تغني اطفال يلعبون ...."
سرد الأحداث المتعاقبة مع إفساح المجال للوصف بتعطيل السرد كي تتوضح عند المتلقي صورة هذه الجنة المنشودة العائمة خلف نضارات خفيفة .
منشود املاه الواقع الموجود المتفابل حد التباين مع ما يطمح إليه الكاتب، والذي سينقلب إلى الضد العنفي والذي سيبدأ بحدث قادح مزلزل بدأ بالرغبة في مشاركة الاطفال اللعب كفعل إجرائي دال على التغيير الإيجابي الذي يعيشه البطل ومن حوله. " تكسر النظارات الشفافة" التي جعلت كل شيء جميلا مغسولا بالطيبة والكرم والنبل والصدق .
وهمّّ الكاتب لا يتوقف عند الذاتية بل يتجاوزها إلى هموم جماعية وطنية مصيرية قطاع التعليم الذي ارهقه ومنه عانى قبل "قررت" لترتفع الميزانية ومعها يرتفع المستوى العلمي والمعرفي .وهموم قومية تطال القدس وفلسطين والحرية المرجوة المطلوبة.
هذه القيم التي زينت المشهد ستظل رهينة المؤمل لأن الحاضر كما الماضي السابق ل"قررت" هو في الضفة المقابلة والذي بدأ بالعنف والتكسير والتهشيم "نظاراتي"كعنصر أساس في التغيير بعد القرار لينقلب المعجم إلى "اشتعل غيظا، العن ...يميلون اللكمات ..انمي راسي ..مرتدا ...اعتمد إلى الحائط... الصحف تحمل ماسي الواقع المرير الموجود "إلغاء مجانية التعليم...هروب عالمين ...إسرائيل تنقل عاصمتها إلى القدس....لتكون العودة الانهزامية الكارثية لخيبة مرعبة ويأس من تغيير الموجود بمنشود شخصي ذاتي ووطني مصري وقومي عربي ليكون واقعا بصفاء النظارات الخفيفة التي هشمتها الكرة لما ظن البطل أن بإمكانه أن يلعب مع الاطفال مادامت المعجزة قد تحققت وصار في عصر النور والعلم والحب والايثار والفضائل كلها .
قصة قامت بشطريها على التقابل والتصادم بين ما يريد الكاتب وما لا يريد وهو الثابت بإصرار الواقع المر المتشظي المدمّر .
حبيبة المحرزي
تونس
نصف الكوب الفارغ.. قصة قصيرة.. رضا يونس
قررت أن أتوقف عن التذمر, توجهت إلى طبيب العيون قبل موعد الزيارة الدوري؛ لتغيير عدساتي، استقبلني بود.. بعد إجراء الفحص التقليدي أخبرني أن نسبة انهيار الرؤية ٢ ٪ هذه المرة، نصحني برفقة النظارة إلا من وقت النوم،
رجوته أن يصف لي عدسات رقيقة، شاكيا تلك السميكة التي صنعت أخدودين أسفل جفنيَّ، ابتسم صامتا، ودوَّن في (الكارت) المقاسات الجديدة..
الآن عليَّ أن أغير زاوية رؤيتي، هأنذا أستيقظ على صوت العصافير، أدرت مؤشر المذياع على محطة الأغاني، كانت أغنية صباحية محفورة في طفولتي ( يا صباح الخير يا اللي معانا.. يا اللي معااااانا ..الكروان غنى وصحانا)
كل شيء يبدو مختلفا من وراء الزجاج النحيف.
زوجتي تحمل قطعة من كيك الشيكولات، وكوب شاي بالياسمين.. أتناول الإفطار بلا تذمر، طبعت قُبْلة على جبينها، ولَّيْتُ قِبْلتي شطر الشارع.
بدا كأنه حلم هادئ مصحوب بسمفونية من ألحان العصافير، وحفيف الشجر، نساء الحارة مفرطات في الزينة يرتدين ثيابًا ذات ألوان بهيجة، كلهن يرسمن ابتسامة جاذبة، الرجال يصافحون بعضهم بحرارة الرفاهية لا أكاد أميز أحدهم عن الآخر، فالابتسامات متشابهة للغاية، أحدهم يضغط على كفي، يعصره بحميمية، يربت على كتفي ثم يلوح بيديه، كجناحَيْ حمامة بيضاء، ومن ثم ينصرف.
نسمة رقيقة من هواء الصيف تداعب أنفي، على مرمى نظارتي أطفال الجيران يصنعون دائرة واسعة رسموا على محيطها علامات محسوبة بالطباشير الأبيض، أحدهم خارج الدائرة يطلق صافرات متقطعة، فيدور الصبية في محيط الدائرة منصتين لصاحب الأمر، ينتظرون صدى الصمت، ليقذفوا أكثرهم بدانة؛ ملعونا خارج الجنة إلى المصطبة المجاورة، ليتابع اللعبة من مقاعد المعزولين.
صوت بائعة الفاكهة يدندن"رمان خلاص انفرط حبك ولا همنى..أنت اتماديت في الغلط ولاقولتليش لمنى..ذنبك على جنبك بقا. .. روح.. يا تجيني يا تضمني"
جرائد الصباح بعناوينها الخضراء العريضة " زلزال بقوة ٩ ريختر يدمر السد.. مصر أول دولة تصل إلى كوكب الزهرة عبر سفينة الفضاء خوفو٣.. رصد ميزانية ضخمة للتعليم والبحث تتجاوز ٥٠٪، الاحتفال بتحقيق الاكتفاء الذاتي في محصول القمح، وهامش كبير للتصدير.. شقة لكل مواطن بدون مقدم .. عالمان مصريان من معهد البحوث يفوزان بجائزة نوبل في الطاقة البديلة.. الجنيه المصري يعود إلى قيمته قبل خمسينيات القرن الفائت..
خروج آخر صهيوني من فلسطين.. بشار الأسد يتنازل سلميًّا عن الحكم للحكومة المنتخبة..
ولأنني قررت التوقف عن التذمر،
شاركت الصبية مباراة في كرة القدم، كلفوني بحراسة المرمى،
فريقي يمسك بزمام المباراة، هجوم لا يتوقف، دونما هدف، دقيقة واحدة يضيفها القاضي قبل إعدام المباراة، اليأس يتسرب إلى رفقائي، لاعب مراوغ من فريقي يخرج عن قواعد الميدان، يختطف الفريق الآخر الكرة، هجمة مرتدة خلف الخطوط، يتقدم أسرعهم يضرب الكرة بعنف، يطلق الحكم صافرة النهاية ما زالت الكرة في طريقها للهدف، مستقيمة تطيح بعدساتي الرقيقة، تتحطم شفافية الزجاج ، بعضها يملأ أخدوديّ،
أشتعل غيظا، ألعن الكرة واللاعبين والقاضي والقانون والجمهور.
بعض الأنصار يحيطون بي يكيلون اللكمات، يزورون قفاي، أحدهم يهديني ( شلوتًا)
أنكس رأسي، مرتدا إلى بيتي، أعتمد إلى الحائط، أستريح قليلا أمام كشك الجرائد، أطالع عناوين الصحف المسائية بالبنط الأسود العريض:
" أثيوبيا تبدأ الملء الثالث .. مصر تنوع مصادر استيراد التوك توك.. إلغاء مجانية التعليم ..روسيا ترفض تصدير القمح إلى مصر.. كومباوند لكل مواطن بمقدم مليون جنيه.. هروب عالمين من علماء الذرة إلى أمريكا.. الدولار يكسر حاجز العشرين جنيها.. إسرائيل تنقل عاصمتها إلى القدس باعتراف الأمم المتحدة.. ٢ ٪ لا ينتخبون بشار الأسد.
نسوة الحارة يخرجن ألسنتهن، يبدأن الحفل على شرف إحدى الجارات التي سكبت في الشارع ماء المجاري غير المعالج..
أعود إلى بيتي بمعدة فارغة.
بتجهم تتمتم زوجتي، تلعن أحلامي المبتورة، بتأفُّفٍ تلقي إليَّ طبقا من العدس( المسوّس) وقليل من المخلل ونصف كوب من ماء المجاري المعالج!
رضا يونس
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏منظر داخلي‏‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق