توقفوا عن صناعة التفاهة
سامية البحري
استوقفني هذا النص الأيقوني ..للكاتب دان كلارك تحت عنوان "جراء للبيع"
أجل نص يشتغل على مقومات القصة بطريقة فيها الكثير من الاتزان والدقة والحرفية
كما يشتغل على المقاصد والأهداف بكثير من الموضوعية والإنسانية
وعندما تتكامل الخصائص الفنية مع الخصائص المقصدية
للنص الإبداعي عموما علينا التوقف للاستفادة والتعلم
وبناء عليه اقدم هذا النص كوصفة جيدة لكتاب القصة القصيرة للنظر والتوقف والتأمل والتدبر
اولا يجب الانتباه إلى عوالم القصة وما تتطلبه
ولنا تجارب ثرية في الأدب العربي خاصة في البدايات
مع أعلام كبار مثل تيمور،الدوعاجي، إدريس. .
وغيرهم ..هؤلاء أدركوا العلاقة الجدلية بين فن السرديات والواقع فنجحوا في نسج هذه العلاقة جيدا
واستطاعوا أن يخلدوا مرحلة هامة من تاريخ القصة القصيرة. .
غير أنه ما يعرض على الساحة الثقافية اليوم بحكم تعدد قنوات التواصل و بحكم تطور الثقافة الرقمية قد أضر كثيرا بهذا الجنس الأدبي الهام..
فكثرت الاسقاطات والشطحات البهلوانية باسم القصة كما هو الشأن في الشعر ..
بدعوى التطور والتطوير وأصبحت التفاهة عملة العصر وغدا التعقيد والسفسطة ترميزا وصورا وبلاغة ..
وهذا باب كبير لنا فيه مواقف لا يتسع لها المقام. .
لذلك ندعو إلى التأمل في هذه القصة الجميلة الهادفة ..وهي من السهل الممتنع ..
لنتعلم ما معنى قصة ؟؟
ونتعلم كذلك القيم الحقيقية التي حملها الكاتب لهذا الطفل الرمز في القصة لنعلم أبناءنا ثقافة الانتماء إلى ذواتهم وثقافة الاعتزاز والشموخ والكبرياء. .
وعوض تلك المواضيع الباهتة والساذجة والتافهة التي يعرضها علينا البعض في منشورات تحت امضاءات مختلفة شاعر وقاص وروائي وناقد ..الخ
علينا المصالحة مع قضايانا ورسم أهداف للكتابة ..
الكتابة مسؤولية خطيرة جدا
وليست هذيان أو هراء أو حالة من المراهقة المتأخرة
نعم ..
هناك نصوص مراهقة مثل أصحابها تماما
نصوص مرهقة ومكبلة بعاهات أصحابها
تقرأ أحيانا نصا هزيلا تافها على جميع المستويات وتجد تعليقات كاذبة منافقة حوله لا تحصى ولا تعد
وأشياء يندى لها الجبين
هذا ما يسمى صناعة التفاهة ..
وصناعة التفاهة هي تجارة العصر اليوم
وهي صناعة تتهدد كل الميادين ..
وهو ما يدفعنا إلى إطلاق صيحة فزع
تحت مبدأ هام وهو "توقفوا عن صناعة التفاهة والترويج للتافهين" سواء في الإعلام أو الأدب أو السياسة وفي كل المجالات ..
علنا نحمي الأجيال القادمة من هذا الطوفان المدمر ...
وإليكم النص الأيقوني
جراء للبيع
جِراءٌ للبيع ، هي لافِتة صغيرة عُلِّقَت على واجهة أحَد المحال ؛ لافِتةٌ مِثْل هذه بالتأكيد تُثير انتباه الأولاد الصِغار ، إذ سرعان ما توقَّفَ أحَدَهم وسألَ صاحب المَحَل :
" بِكَمْ تبيع الجرو الواحد ؟
- بين الـ 30 والـ 50 دولاراً "
أدخَل الولد يده في جيبه وقال :
لا أمْلُك غَير هذيّن الدولاريّن , هَلْ تسمَحُ لي برؤية الجِراء ؟
إبتسَمَ الرجل وصَفَرَ بفَمِهِ وعلى إثر ذلك خَرجَت خمسة جِراء بِيض تسير وراء أمها في المَمر الضيق وكان آخِرُها يَعْرجُ مُتعثراً لا يستطيع الِّلحاق بأخوتهِ ،و سُرعان ما لَفَتَ انتباه الولد فسألَ صاحب المَحَلْ:
ما بهذا الجرو ؟
أوضَحَ له الرجل إن الطبيب البيطري بعد الفحص أكَّدَ لَه إن الجرو هذا سيبقى أعرجاً طِوال حياته بسبب التواء مَفْصَل الوِرْك ، فسأَله الولدُ متأثراً :
بِكَمْ تبيعه ليَّ؟
- هذا الجرو ليس للبيع فإن أردتَّه خُذهُ مجاناً .
نَظَرَ الولد إلى الرجل وأشار بيده قائلاً بصوت غاضب :
- كلا , لا أريده مجاناً فهو لا يفرق عن أخوته سأدفع لك ثمنه كاملاً , خُذ الدولاريّن الآن وسأعطيك دولاراً كُلّ شَهر حتَّى يَكْتمل المَبلغ .
لكنَّ صاحب المحل اعترضَ قائلاً:
- لا أنصحك بشرائِه , إنَّه مُجرد جُرو مُعوَّق لا ينفع و ليس بإمكانه أن يركض أو يقفز ولا يمكنك أن تلعب معه مثل بقية الجراء , لِمَ لا تشتري غيره؟!
هُنا إنحنى الولد ورفع أذيال بنطلونه ليكشف عن ساقه الخشبية المُثبَّتة بالسّيور الجِلديَّة وقال لصاحب المحل :
- لإنَّه الوحيد الذي يفهم حالتي .
____________________________
ملاحظة :
النص مترجم حافظت على الترجمة كما وردت في هذه النسخة للأمانة العلمية رغم مافيها من نقائص
وسأعمل على مراجعة الترجمة على ضوء النص الأصلي لتجويد الصياغة وبناء الجمل وتنظيم الحوار
ومقصدي من عرض النص يتجاوز كل هذه الأمور التقنية إلى الدلالات والمقاصد
لأن الإشكالية الكبيرة التي يعاني منها الكاتب العربي هي إشكالية مواضيع وأفكار وقدرة على ضبط الأولويات وذكاء الطرح والاشتغال على برامج مستقبلية تنفع في بناء الإنسان. .
والتوفيق من الله سبحانه وتعالى
لأن القلم امانة وقد اقسم به الله
والكلمة أقوى الأسلحة وانتم تعلمون
تحياتي وتقديري
الناقدة سامية البحري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق