الجمعة، 29 يوليو 2022

قصة قصيرة * بلا عودة */ بقلم: عبد الحميد بوشباط . الجزائر****


 قصة قصيرة

* بلا عودة *
حين وصلتني الرسالة النصية من المحامي يخبرني فيها انني ورثت مبلغا عظيما من زوجتي الاولى التي اقترنت بها قبل اربعين سنة لم اصدق الخبر ، سارعت الى البحث عن مصادر اكثر وثوقا مثل البلدية والبنك وغيرهما ، كلهم لم يؤكدوا ولم ينفوا خبر وفاتها بسبب تطابق بعض الاسماء ، كدت اطير من الفرحة ، طبعا لم احزن عليها أمام صدمة هذا المبلغ .. اغلب الناس يتمنون ان ينهار العالم وتفنى الجبال من اجل ان يصبحوا اثرياء ، انا لست مثلهم فقط اريد أن أعوض بعضا من سنوات عمري التي عشتها محتاجا وبي خصاصة .. الذي بقي من حياتي أقل بكثير مما فات وعلي أن أعوض نفسي وزوجتي المسكينة وابنائي واهلي .. آه زوجتي التي صبرت معي أزيد من ثلاثين سنة ، لم تكن لتحصل في سابق العهد والاوان سوى على كسوة متواضعة مرة واحدة في السنة وحتى المصروف البسيط الذي كنت امنحها اياه كانت تعطيه لأبنائي ليتمكنوا من ركوب حافلة النقل المدرسي أو الجامعي ، طبعا ستنال اليوم النصيب الاوفر من ثروتي نظير صبرها وتضحياتها ،،
لكن كيف اخبرهم بهذه "الفاجعة" السعيدة وهم لا يعلمون انني ذات عام من القرن الماضي حين كنت في رحلة سياحية اقترنت بامرأة اوروبية وانا في العشرين من عمري عشنا معا ما يزيد عن سنة واحدة ثم افترقنا لاسباب لاداعي لذكرها ،
في بلادي بلاد ابائي واجدادي عشت واشتغلت وتقاعدت واستمتعت بالابناء والاحفاد رغم العوز والفقر وصعوبة الحياة ، اليوم حان وقتي ، لا اريد احدا ان يلومني على زواجي من " سوزان " ذلك قد مضى وانقضى ،، وقد ربحت مالا عظيما سأسكتهم بجزء منه ، ساشتري لكل واحد من أبنائي منزلا وسيارة ولزوجاتهم حليا ذهبية وكساء عصريا واغراضا للبيت ولاحفادي العابا كثيرة ودراجات وعرائس وأقيم لهم أراجيح مختلفة في حدائق بيوتهم ، أما زوجتي فانها ستقنع بزيارة البقاع المقدسة والنظر الى قبر الرسول بعيون خاشعة ، وتشرب من ماء زمزم ، وتصلي الى الفجر وتطوف حول الكعبة ،، ستنسى طبعا انني تزوجت مدة سنة واحدة فقط ،، ستلومني قليلا لانني لم اخبرها ثم ستسامحني .
هذه حسابات أظنها سليمة ستجعلهم يقتنعون ويغفرون ذنبي ، بعد ان جمعتهم حول طاولة واحدة وشرحت لهم كل شيء وماذا يلزمني أن أفعل قبل ان امتطي الطائرة حيث ميراثي من زوجتي "سوزان " الكل مندهش مما قصصت عليهم ، لكنهم طاروا من الفرح أمام نصيب كل منهم في نهاية المطاف ماعدا زوجتي فقد صاحت : لا تصدقوا انه يهدي ، اقترب اكبر ابنائي مني وامسك برأسي وقال لي : هل تشعر بشيء يؤلمك ، دفعته عني وادخلت يدي في جيب سترتي واخرجت الرسالة الموقعة من طرف المحامي وبسطتها فوق الطاولة ، امتدت اليها جميع الايدي متلهفة ، في الاخير شعروا بالاطمئنان وصدقوني .
انجزت الوثائق المطلوبة ، استلفت مبلغا محترما من المال بالعملة الصعبة بمساعدة أبنائي يكفيني الى غاية انهاء المهمة لكن ثمة عقبة لابد من اجتيازها وهي تأشيرة الخروج رغم ماقدمت للسفارة من ادلة الا انها رفضت و اعتبرتها غير مؤسسة ، لم اجد امامي سوى قوارب الهجرة غير الشرعية ، لم اخبر أهلي بالموضوع وبدأت ارتب اموري ، كونت علاقات جيدة مع المهربين وتعرفت على ذوي السوابق والمراهقين والمغامرين ومتعاطي المخدرات ، ذات ليلة هادئة وسماء صافية انطلق بنا القارب صوب الضفة الشمالية ، لم اكن وحدي من بلغ الستين من العمر او زاد كنا ثلاثة فضلا على الكثير من الشباب ، شعرت رفقتهم ببعض الاطمئنان والمؤانسة ، كل واحد منا كانت له قصة طريفة ومحزنة ، لم احك لاحد قصتي كنت متحفظا و متسترا جدا خوفا منهم . عالم غريب وعجيب يدور في أذهان هذه الطائفة من الناس واحلام تفوق قدراتهم الظاهرة والمكبوتة ، مرّ الليل بسلام وسطعت شمس دافئة في باديء الامر ثم اصبحت حارقة ،
احتميت بسترة وضعتها فوق راسي ، كان الصداع قد بدأ يشتد ، تصببت عرقا ، انتبه لي احد الشباب وقال : "واش زاد عليك ياشيخ " .. استرجعت كل مافي امعائي وانحنيت على طرف القارب اتجرع مرارة ودوار البحر ، ومضى الوقت بطيئا ومهينا ، الحمد لله بعد هذا الشؤم بلغنا الضفة الاخرى ، انفردت عن الجماعة ورحت اطوف مثل سكير انهارت كل قواه تبعتني ثلاث كلاب ضالة رميتها ببعض بقايا الاكل التي احتفظت بها ثم بحجارة التقطتها من الارض ، لم اكن باستطاعتي الركض مضيت اجر قدماي بصعوبة الى ان بلغت قرية قريبة هناك حجزت ونمت في فندق بسيط لكنه هاديء ومريح .
في الصباح الباكر أخذت القطار في اتجاه العنوان المدون في الرسالة وانا في غاية الخوف والارتباك بشأن الاموال الطائلة ، زادت وساوس رأسي وكثرت حساباتي فلعنت الشيطان وأجلت التفكير في هذا الامر .
بعد بحث عسير وانتظار وقلق التقيت المحامي ، تبادلنا التحيات وتناولنا القهوة ، ثم امتطينا سيارته كانت تنساب بين حقول خضراء تتخللها من حين لاخر اشجار باسقة من نفس النوع ، لم يحدثني كثيرا ، كان يكتفي بالابتسامة ، والنظر لي بين الفينة والاخرى كأنه يطمئنني على الغنيمة .
بعد حوالي ساعة من الزمن بلغنا شبه مزرعة كبيرة تتوسطها مصحة للعجزة ، نزلت مع المحامي وتقدمنا قليلا واذا
بسيدة في الستين من عمرها تستقبلنا كانت تجلس على كرسي خشبي، قالت لنا : جئتما في الوقت المناسب لتأخذاني الى زوجي ، بدت لي ملامحها غير غريبة ، اخذنا نحدق في بعضنا البعض ونحاول أن نبتسم ، ربت المحامي على كتفي وهو يقول : هذه " سوزان " قبل أن تفقد ذاكرتها كتبت كل املاكها باسمك تكفيرا عن خطيئتها السابقة معك ، فمنذ أن غادرتها تعيش بقية عمرها هنا في هذه المصحة ، فهل انت مستعد لأن نوثق الممتلكات بشرط أن تبقى معها حتى
تسترد ذاكرتها ؟
عبد الحميد بوشباط . الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق