بدت المنارة الأولى التي استهدت إليها أشرعتي، مبهرة الضياء، وحين الاقتراب تراءى لي ذلك الشراع المحطم ومن يقف عليه كان متشبثًا بالضياء وينتظر الإنقاذ بلهفة فأغثته ومضى بحال سبيله وما يريد..
لهت الريح بأشرعتي وادلهمّ الظلام..
لمحتُ منارة أخرى تلوح من بعيد، سارعتُ بالتوجّه نحوها.. وكلما دنوتُ منها كان نورها يخبو، لم يتملكني اليأس، كان الأمل يدفع أشرعتي للمضيّ قُدُمًا
وحين وصلت، دارت الريح بأشرعتي واعترى الموج الظلام..
تسلّلت المخاوف لهواجسي من مسامّات الخذلان، لكنّ الأمل المنير الذي خرج من مكامنه في الأعماق، وراح يقاومها ويقاوم الخذلان ويدفع هواجسي نحو نور بعيد جديد..
هتفتُ بلهفة
لا بد أنها المنارة المرجوّة..
توجّهتُ بأشرعتي نحو الضياء، لفّت الريحُ أشرعتي واشتد عتوّ الموج،
تدافعت رياح آمالي والأمواج ، مالَ مركبي وأوشكتُ على الغرق، مدّت الآمال حبالها وشدّت مركبي لحثّي على التخلّص من وهن الاستسلام، كي أتابع..
ونهضتْ عزيمتي من جوفِ الضعف، اندفعَ مركبي يعلو فوق الأمواج الهائجة، تسمو به الأفكار البيضاء السعيدة..
قد أكون وصلتُ إلى موقع المنارة لكنني أضعته، فلم أزل يحيطُ بي الظلام ويشدّني إلى الأمام طيف نور بعيد.، لكنّ الظلام يحيط بي، والرّيح تُرعدُ أشرعتي برهبة مخيفة..
احتجتُ ليد تمتدُّ لي في وسط هذا الخواء الهائج..
شعرتُ بالهلعِ ينخرُ أوصالي، عاد الاستسلام لمحاولة ثني عزيمتي وإغراقي نحو اللجّة الصامتة.. وصدى صوت وحيد يملأ سمعي:
"لن يساعدك أحد سوى نفسك، عليك بشد أزرها جيّدًا.."
استيقظتْ آمالي النائمة وأيقظتْ الأمنيات، وشدّتْ عزيمتي الحياة لمقاومة الموت قبل الأوان..
واندفعتْ أشرعتي نحو الأمام يسمو بها بأسي الشديد فوق الأمواج ومركبي تحمله آمالي والأمنيات المشرقات.
ابتعدَ العدم والشعور بوهن الوحدة عن منارة أعماقي حاملًا معه بواعث الخذلان ومواجع أنّات الاستسلام، ومدّ مركبي
فوق الماء إثره.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق