قصة قصيرة
طاهرة لكنّها جميلة
كانت الحرب قاسية على الجميع، لكن النار تُظهر جودة المعادن..
حاولت جميلة العمل لتعين زوجها الذي توقف عمله بسبب الحرب، وكانت تعاني من شتّى صنوف الضغوطات، وأهمها الإزعاج اليومي.. زوج يائس لا يملك سوى الصراخ وندب الحال بالتقريع والتنديد الذي لا يحلّ مشاكل البيت ولا المجتمع ولا الذات، بل يشحن المنزل بالطاقة السلبيّة ويوتّر ويُرهق أعصاب الجميع، استعانت جميلة بجمعية خيريّة -تديرها بعض النساء الوقورات لإعانة العائلات المنكوبة خلال الحرب-
بعد أن قرّرت العمل في التعليم..
رحبت بها مديرة الجمعيّة وقالت:
"إنَّنا نتعاون مع اليونيسيف لتعليم الأطفال المتخلفين عن الدراسة بسبب الحرب.."
وأطلعتها على برنامجها الأسبوعي..
تعرّفت جميلة على مواقع المراكز التي ستقوم بالتعليم فيها، وكانت تتضمن موقعًا متطرفًا في المدينة لا تصل إليه وسائل المواصلات وهنا كانت الثغرة الوحيدة في هذا العمل الراقي..
تكفّل مدير المركز بإيصال المعلمات إلى وسط المدينة وأرسل للجميع رسالة يقول فيها:
"سأكون بانتظاركم في الوقت المتفق عليه قرب المصرف العقاري أرجو عدم التأخّر.."
قرأت جميلة الرسالة وقامت بمحيها، لأنّ زوجها غضوب وغير متفهم، وخشيت أن يقرأ يومًا ما تلك الرسالة ويسيء الفهم ويتسبب بخسارتها لهذا العمل الذي وجدت فيه مرسى الإنقاذ لحال أسرتها ضمن تلك الظروف العصيبة.. أوصلهنّ المدير الذي بدا وكأنّه الأخ الشقيق لكلّ معلمة منهنّ وهذا ما زاد في تقديرهن له.. وفي نهاية الدوام في ذلك المركز البعيد، عادت جميلة وزميلاتها اللاتي بدأن بالترجل من العربة بالقرب من أحياء سكنهنّ، وبقيت جميلة لتنزل بالقرب من الموقف الخاص بالعربات التي توصل سكان الريف، وما أن نزلت من العربة حتى فوجئت بامرأة ثرثارة تسكن في الريف بالقرب من منزلها، وراحت هذه المرأة تزور المعارف والأقارب والأصدقاء والأهل وتروي لهم أنّها شاهدت جميلة تنزل من عربة رجل غريب..
وبدأت جميلة في مواجهة ظالمة جديدة من نوعها على حياتها.. مواجهة المجتمع المتخلف عدوّ المرأة..
روت الحقيقة كاملة لزوجها الذي تفهّم الموضوع، لكنّ ما خشيت منه قد حصل، لقد خسرت عملها، منعها الزوج من متابعة العمل..
أما ما قامت به تلك المرأة الثرثارة الحاسدة التي لم تحب الخير يومًا لجميلة.. لم تكفها خسارة تلك البائسة لعملها، بل رغبت أن تجعل من يحترم جميلة وينظر إليها نظرة تقدير، أن يحتقرها وتتحوّل نظرته لنظرة ازدراء..
لكنّ من ملأت الإنسانيّة قلوبهم برغم ندرتهم لم تخلُ منهم الحياة، منعهم احترام الذات من ظلمها..
وبقيت المواجه المليئة بالخذلان تظهر ممّن كانوا يدّعون الصداقة والأخوّة لسنين عديدة ثمّ أظهرت حقيقتهم امرأة ذات لسان يستمتع بالقذارة، راح الأنذال والحسودات من النساء اللاتي يُشعرهنّ جمال وكمال عقل واتزان جميلة بالنقص تجاهها، فاستغلّوا تلك الثرثرة للتعبير لجميلة عن خبايا نفوسهم اللئيمة بالرغم من معرفتهم لطبيعتها الصافية والنقيّة.. باتوا يعاملونها كغريبة أو أدنى من ذلك.. ظهرت لها قلوبهم القاتمة، نغّصت المعاناة حياتها.. لم تردّ الإهانة للمسيء.. لأنّها تعلم أن ردّ الله سيعلّمهم كيفية التعامل مع المظلوم ورد الظلم عنه بدلًا من الإمعان في ظلمه.. ومرّ الزمن وهو يدور دورته ولفّت نوائبه حول تلك المرأة الثرثارة التي وقفت بانكسار أمام جميلة، وما كان من جميلة سوى مدّ يد العون لها أمام دهشتها..!
أجابت جميلة على استغرابها قائلة:
"لم أردّ الإهانة يوماً لمن أهانني ثقتي بالله تنهيني عن ذلك، من الله عزَّ وجلّ يصدر الردّ والانتقام للمظلومين من الظالمين، وعلى البشر السماح على قدر نقاء قلوبهم، وقلبي النقي يسامحك لا تخشي منّي فلن أعاقبك أنا.
بقلم هدى إبراهيم أمون

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق