توقيع (قلبي معلق بعينيها.. صوفيا)
_____________
صوفيا
قلبي معلق بعينيها
لم أكن أعلم وقتئذ، أنه سيحدث معي مثل هذا الشعور، لعل كثيرين أصابهم هذا وأحسوا به، دعاني لشرب فنجان قهوة، كان وقتها المطر يهطل والسحب تملأ السماء، كنت أرى ملامح السعادة على تجاعيد وجهه المتكسرة ، لا أحب نوع قهوته التي يرغبها ويطلب مني كثيرا أن أجرب مذاقها، فهي تعبق بروائح مختلطة تفوح ويكاد طعم القهوة الحقيقي يتلاشى بين تلك النكهات، صوت الموسيقى الهادئة يتأرجح بين أروقة المكان، رفع نظارته التي عمّرت على عينيه كثيرا، حتى صارت حدقتاه كحبة البندق، رشف قهوته بهدوء، ثم سألني: هل أنتِ مقتنعة بي؟
صمت قصير أخذ حيزا من مساحة الموسيقى الهادئة، رأيت أنامله النحيفة الطويلة ترتعش أو تهتز، كأنما أصيب ببرد المكان، ثم همس بهدوء:
هل أحببتني؟
لم أجد بُدا للفرار من الإجابة،ومن نفسي، ومن برودة المكان.. رشفت القهوة مدعية التلهي بمذاقها، رمقته كان الانتظار ملحا في عينيه الصغيرتين المنكسرتين، أومأت برأسي قليلا متظاهرة بالإجابة، لكنه قطع كل صوت وهو يضم فنجان القهوة الأبيض، يا سلام .. سنذهب سوية للبحر. إنه مصدر العشق في يوم بارد كهذا، هل تشعرين مثلي أن المكان صار يتوهج حرارة بعدما سمعتك تهمسين لي ( أحبك) يا إلهي ! ليس هذا وحسب، أنت ِ تعشقينني، أنا أقرب إليك من نفسك، قوليها ولا تخجلي، أريد أن أشعر أنني حبيبك الأبدي، أنت طفلتي الشقية التي أحب كل لحظاتها، وعطرها، وشعرها المبعثر على وجنتيها الورديتين، كنت أرمقه بغضب، أريد أن أصرخ في وجهه، أن أقول له أنا دمية لا تشعر بشيء، أنت رجل طويل، وثري وأحمق، حملت حقيبتي الوبرية، أردت أن أخرج مدعية البرد وعتمة المكان، استأذن النادل وأعطاه ثمن الاستجمام العاطفي فضلا عن عمولة مجزية تليق بنادل كان يقبع في آخر الزاوية يدير صوت الموسيقى بحذر، رأيته في كل مرة يسرق النظرات متمعنا في وجهي.. !
حبيبتي هل تشعرين بالبرد؟ أدركت ما سيقوم بفعله، كنت أكرهه، لا أحب أن يناديني حبيبتي، قلت لا لا أشعر بشيء .. أحسست أنه تكسر من الداخل، لأن ردة فعلي كانت ببرود قاتل وأنا أبتعد عنه، توجهت نحو السيارة وأنتظرت أن يلحق بي، وصل بعد معاناة فقد كان يلهث قليلا وارتجافة يديه تتضحان بعد كل حديث، فتح لي الباب كعادة كلاسيكية أكرهها، تذكرت صديقتي الجامعية، عندما فتح خطيبها الباب وحملها ثم وضعها على الكرسي، كنا نضحك ساخرين منهما، وكنت أرسل الألقاب السخيفة على هذا الموقف ، كنت غاضبة فقلت له: تحملني.! تهلل وجهه فرحا، بدأ حائرا في الحدث، وكأنه كان يلح على نفسه بفعل هذا .. دفع الشال من عنقه ألقاه على الكرسي الخلفي ، وهرع لحملي، لكنه لم يجلسني على الكرسي بل ظل يجري وسط الشارع ويهمس بجنون: أحبك أحبك، لا أدري ما حدث وقتها إلا أنه سرعان ما انطلقت السيارة وأغدق المطر كثيرا ، رأيتهم يجلسون في ثنائيات ساكنة على كراسي الطريق الموصلة للغابة ثم الطريق العام ، نظرت في شعره الأبيض الحريري المنساب على كتفيه ، يغلبه الصمت، في كل مرة يلتفت نحوي كأنه يريد أن يقول شيئا، أوقف السيارة أمام البيت، قبل أن ننزل استغرقنا صمت طويل، سبقته بفتح الباب، شعر أنني لست بخير، لم ينزل يومها كعادته، بل ذهب لا أدري إلى أين، كان متعبا، وكنت أشد تعبا، تزين المكان باللوحات الجميلة، ذات الطابع الإغريقي، مكتبته المليئة بعشرات الكتب التي تحمل اسمه، وأوراق المحاضرات المليئة باسمي!! كان يناديني سوفيا! عشقت من خلاله أساطير الإغريق، وأحببت فلسفة الغموض، كان وحيدا فأحببت مشاركته هذه الوحدة الفظيعة، كل شيء في خياله وارد إلا أن أكون زوجة ذاك الرجل العصامي، الذي امتلك كل شيء إلا الحب .. أدركت أنني لم أكن قريبة من قلبه ولكنني كنت أقرب لعالمه، في المستشفى أخبرني عن كثير من الأشياء الجميلة، قال لي وفي نفسه غصة وعٓبرة تفكك صوته الجميل:
صوفيا... الأشياء الجميلة ليست هي المستوى الملموس، أتذكرين عندما قلت لكم وكنتِ حينها طالبة صغيرة بضة.. أن الأشياء الجميلة هي الإحساس بآخر يترك من أجلك كل شيء حتى يجذب لقلبه السعادة؟! إن جذب السعادة أن تتذوقها في قلب المحب، وإن تراها في عينيه، وتسمعها في همسه، وتدركها في دموعه عندما يلقاك بعد عناء، ويراك بعد جفاء!
هل أدركتِ لِمٓ أنا سعيد حتى بعدما علمتُ بمرضي الذي لن يمهلني طويلا؟!
كنت أذهب لإلقاء المحاضرات وفي كل يوم أقول لعلي سأموت الآن أو غدا ؟!
نعم لا تستغربي يا حبيبتي هذا الشعور من رجل كنتم تنادونه بالطويل الأشيب !
أكمل محاضراتي وتستغرقني وحدة قاتلة باردة مع كتبي وأدويتي التي تشعرني أحيانا بالبقاء لفترة وجيزة.
التقت نظراتنا..رأيت في عينيه قصة طويلة، كنت أريد أن أشبعه من ذاك الحب، ولكن هيهات! هل يشبع مسافر من قبلات أو مودع من دموع ، ما الذي يطفئ جمرة حب مخبوء لم تبح به اللحظات ومات صاحبه؟!
أمسكت كفه العريض، أرخى جسده وارتفعت روحه ، كانت يده دافئة وهو ميت، وكانت يدي باردة وأنا أنعم بالحياة .
كان يرمقني بعينيه البندقيتين كأنه يهمس لي أحبك ... وكنت أرمقه بعينين متشمعتين انحبست فيهما كل معاني الشعور التي لطالما قاتل من أجلهما حتى يسمعها وأنا أهمس له: أحبك .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق