قصة قصيرة
*أيٌام متبقٌية لانثى مشوّهة*
لمّا بدأ فكرها يصحو من تأثير التخدير. سمعت لغطا ولغوا وكلاما يتسرّب إلى سمعها الثقيل. لم تتبيٌن منه إلاّ صوت الطبيب (لقد استاصلنا الثّدي لكنّ سرطانها خبيث ينتشر بسرعة. لن تعيش الا أأياما أو اشهرا قليلة)
فكرها أخذ يفصٌل الايّام المتبقّية. سيطلٌقها للضّرر " لن يعيش مع أنثى مشوٌهة"
أمنية واحدة تتمنّاها من أيامها المتبقية ، ليتها ترى وحيدها يدخل المدرسة. ستشتري له ثيابا جديدة. ستاخذه إلى الحلاّق وتنتظره امام الدّكّان ثمٌ إلى حمّام الرّجال وتوصي به جارها الطّيّب .ستصحو باكرا لتعدّ له إفطارا شهيا كي لا يحسٌ. بالجوع ويفقد التركيز في الفصل. سترافقه في اليوم الأول، تحمل عنه المحفظة التي سترتٌب فيها أقلاما ملوّنة وكراسات وكتبا سهرت على تغليفها وتزيينها بفرح عارم. ستدسّ في ركن منها "الحصن الحصين" كي لا تؤذيه العين الحاسدة.
يوم أوصلته إلى باب المدرسة. عادت وفي قلبها أمنية أخرى واحدة أن تراه يجتاز مناظرة السّادسة.
يوم نجاحه طرقت أبواب جيرانها ووزّعت عليهم "كسكسيّا بلحم الخروف" وتمنّت أن تسمع اسمه ضمن قائمة الناجحين في الباكالوريا كي تزغرد وهي تستقبل المهنّئين وتوزّع عليهم البقلاوة التي أعدّتها بيديها من اللوز المحمّر والفستق البلدي، وحملتها على رأسها إلى الفرن وعادت بها مساء وسقتها بعسل النّحل وقلبها يرقص على انغام عبد الحليم حافظ " الناجح يرفع أيده ..."
لما تخرٌج وجاءها مبشّرا يرفعها في حضنه ويدور بها دورانا بهلوانيا "لم تتبقّ إلاّ أمنية واحدة ليتك أيٌامي المتبقّية تتمّين معروفك ..."
تقف في آخر القاعة. تمسح الحاضرين بنظرة حبّ وشكر وامتنان .تصعّّد بصرها إلى العريس، قمر يضيء القاعة ببدلته السوداء وربطة عنقه الحمراء.
تاهت عن الموسيقى الصّاخبة وعن استقبال المدعوّين ورقص الفتيات الجميلات، تشكر أيّامها المتبقّية ويدها تضغط على الثٌدي المتورّم والالم الشّديد الذي ظلت تكابده اشهرا وحدها كي لا تتعطل مراسيم الزواج.وتراه عريسا كما تمنّت..
حبيبة المحرزي
تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق