نارٌ.. ذاتُ لَهَبٍ..
***
ليل المدينة.. قاتمٌ.. ظلمَة حالكة.. وشَوارع مقفرة.. إلا من بعض الفضوليّين.. الذين أصرّوا على استنشاق دخان الصّنوبر المحترق والتمتّع بآخر رمَق من حيَاة الغابة الجبليّة المُستَعِرَة..
هناك.. في الضفّة الأخرى من الجبل..
قطّة صلعاء فاحت من جلدها المتفحّم.. رائحة الشّواء..
كانت تموء متردّدة بين الفرار بما تبقّى من جلدها
وتلبية نداء الأمومة لإنقاذ ما تبقّى من رمادٍ كان منذ حين يستغيثُ طالبا النّجدة من لهيب جهنّميّ قاتل وموحشٍ ومدمّرٍ...
قرب المتجمهرين.. عجوز تلطم.. خدّا تورّد وانتفخ.. وتستر بكفّها الأيسر أماكن عفّتها وقد أتت عليها النّار فنسَفت شعْرها وسَلخت جلدَها واختلط سوادها بالأحمر القاني حتّى سال منها ماء متعدّدة ألوانُه، عطِنة رائحتُه...
كانت كقطعة شواء أوشكت أن تنضج.. وهي تولول باكية فلذات أكبادها الذين التهمتهم نيران الجبل ونكّلت بهم ألسنةُ لهب الغابة وسَعيرها..
وفي ركن قصيّ من مقهى الحيّ المحاذي لهذه الفاجعة جَمعٌ من ذئاب آدمِيّة يحتسون القهوة.. ويرتشفون بعض الشّاي على نخب لعبة الورق التي يتفنّنون فيها ويتبارون بنديّة من أجل الفوز بما تحت الطاولة من رهان قد يدفع الفقر والخصاصة عن أحدهم.. فيصبح من أغنياء القوم وأرباب المال والأعمال وأباطرة السّياسة.. وإن كلّفهم ذلك حرمة وطن..
اِدْلَهَمّ ليلُ المدينة وطاوَلت ألسِنَةُ اللّهب عِنان السّمَاء حتّى ظنّ الجميع أن لا ملجأ منها إلاّ إليها. وأنّ السّاعة قد أزفت..
فجأة اهتزّت أركان الأرض بجيش عرمْرم.. فأبرقت وأرعدت وأمطرت ودوّى أزيز الطّائرات وزعيق سيّارات الإطفاء... فلم يهلّ نور الفجر.. ولم تشرق شمسُ الصّباح إلا وقد فُرِجت.. وعادت الطّمأنينة إلى النّفوس.. وإذا الغابة الخضراء اليانعة أثرٌ بعد عين. أمّا المدينة فلا تسل عن حالها.. وأمّا أهلها فتجرّعوا كأس الحنظل، وأقسموا بأغلظ الأيْمان أن يوقظوا الرّبيع من سُباته العميق..
***
منير الصّويدي
القيروان - تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق